كيفية نزول القرآن الكريم على سيدنا محمد صلي
الله عليه وسلم
تناول العلماء مسألة كيفية نزول القرآن
الكريم من وجهين؛ وجه متّفقٌ عليه عند أهل العلم، والوجه الآخر محلّ خلاف بين أهل
العلم، وهو أصل نزول القرآن الكريم وكيفيته، وبيان ذلك فيما يأتي:
مسألة نزول القرآن الكريم مفرّقاً:
جاءت الآيات الكريمة تقرّر نزول القرآن مفرّقاً حسب الحوادث والأحوال،
وبيّنت الحكمة من ذلك؛ فقال الله -عزّ وجلّ-: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا
نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ
فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا)،[٥]
وقد ذكر الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية
أنّ نزول القرآن بهذه الصفة يزيد النبي -صلى الله عليه وسلم- طمأنينةً وثباتاً،
وخصوصاً أنّ نزول الآيات عند حدوث السبب يكون أشدّ تثبيتاً، وأعمق وقْعاً، وقوله
-تعالى-: (وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا)[٥]،
مسألة أصل نزول القرآن: كانت هذه المسألة
محطّ اختلاف في الآراء عند أهل العلم، وسبب ذلك يرجع إلى اختلاف الفهم لبعض الآيات
التي تدل على نزول القرآن في وقت واحد، مثل قول الله -تعالى-: (شَهْرُ رَمَضَانَ
الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى
وَالْفُرْقَانِ)،[٨] وقوله -سبحانه-: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ
الْقَدْرِ)،[٩]
وأشهر الأقوال في المسألة:
القول الأول: أنّ نزول القرآن الكريم من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا كان جملة
واحدة في ليلة القدر، ثم تعاقب بعد ذلك نزوله مفرّقاً في ثلاث وعشرين سنة.
القول الثاني: أنّ أول نزول للقرآن الكريم كان في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك
منجّماً تبعاً للحوادث وحاجات الناس، وقد أشار أهل العلم إلى أنّ الحكمة من هذا
التنزيل هو إظهار عظمة القرآن وكرامته عند الله -تعالى-.
صور نزول الوحي على النبي عليه السلام
ذكر أهل العلم الكيفيات التي كان ينزل بها
الوحي الأمين على النبي -صلى الله عليه وسلم- بصور وأشكال متعددة، وأهمّها ما
يأتي:
مثل صلصلة الجرس:
وهذه الكيفية كانت أشد ما يكون عليه النبي -عليه
الصلاة والسلام-، وقد ثبت في الحديث: (أنَّ الحارثَ بنَ هشامٍ سأل رسولَ اللهِ
صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : كيف يأتيك الوحيُ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه
وسلَّم : أحيانًا في مثلِ صلصلةِ الجرسِ، فهو أشدُّه عليَّ؛ فيُفصَمُ عنِّي
وقد وعيْتُ ما قال، وأحيانًا يتمثَّلُ لي الملَكُ رجلًا فيُكلِّمُني فأعي ما
يقولُ، قالت عائشةُ: ولقد رأيتُه ينزلُ عليه الوحيُ في اليومِ الشَّديدِ البردِ،
فيُفصَمُ عنه، وإنَّ جبينَه ليتفصَّدُ عرَقًا).
بصورة
رجل:
حيث يلقي كلام الله -تعالى- إلى النبي محمد.
جبريل بصورته الحقيقية:
حيث تؤكّد الأدلة والشواهد الصحيحة رؤية
النبي -صلى الله عليه وسلم- لجبريل -عليه السلام- على حقيقته التي خلقه الله
عليها، وأنّ ذلك كان هذا في بداية الوحي، وقد جاء في الحديث عن جابر بن عبد الله
-رضي الله عنهما- قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ -أي انقطاع- الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ:
"فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ
رَأْسِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ
بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ:
زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (يَا
أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ)، إلى الآية: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ).
কোন মন্তব্য নেই:
একটি মন্তব্য পোস্ট করুন